محمد بن وليد الطرطوشي

265

سراج الملوك

وقال الأستاذ أبو علي : لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة بالزندقة ، أمر بضرب أعناقهم ، فأما الجنيد فإنه تستر بالفقه ، وكان يفتي على مذهب أبي ثور ، وأما الشّحام والرّقام والنوري وجماعة « 1 » فقبض عليهم ، وبسط النطع لضرب أعناقهم ، فتقدم النوري أمامه ، فقال له السياف : أتدري لما ذا تتقدم وتسابق ؟ قال : نعم ، قال : وما ذا يعجلك ؟ قال : أوثر أصحابي بحياة ساعة ، فتوقف السياف عن قتله . وأتى الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليتعرف حالهم ، فألقى القاضي على أبي الحسن النوري مسائل فقهية ، فأجاب عن الكل ، ثم أخذ يقول : إن لله عبادا إذا قاموا قاموا بالله ، وإذا نطقوا نطقوا باللّه ، وسرد ألفاظا حتى أبكى القاضي ، فأرسل إلى الخليفة وقال : إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم . ولما مرض قيس بن سعد بن عبادة ، استبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم فقيل : إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين ، فقال : أخزى اللّه ما لا يمنع الإخوان من الزيارة ، ثم أمر من ينادي : من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل ، فكسرت عتبة بابه بالعشيّ لكثرة العواد . ويروى أن عبد اللّه بن جعفر « 2 » - وكان أحد الأجواد - خرج إلى ضيعة له ، فنزل على نخيل قوم ، وفيها غلام أسود يقوم عليها ، فأتى بقوته - ثلاثة أقراص - ودخل كلب ودنا من الغلام ، فرمى إليه بقرص فأكله ، ثم رمى إليه بالثاني

--> ( 1 ) ذكرت هذه الحكاية في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ( 5 / 134 ) بعنوان ( محنة الصوفية ) . والأستاذ أبو علي هو أبو علي الدقّاق . وغلام خليل : هو شيخ بغداد الزاهد الواعظ أحمد بن محمد ابن غالب بن مرداس له أمر المعروف ونهي عن المكر ولكنه يروي الأحاديث الكذب ويرى وضع الحديث ، نسأل الله العافية . وأما الخليفة : فهو المعتمد على اللّه أحمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم ولي سنة 256 وكانت أيام ملكه مضطربة بسبب تدبير الموالي وغلبتهم عليه ومات في بغداد سنة 279 ه . وأما الجنيد والشحام والرقام والنوري . . . فهم من علماء الصوفية ولهم كرامات ذكرها البغدادي وذكرت في حلية الأولياء وقد توفى الجنيد النهاوندي سنة 298 وأبو الحسين النوري 295 ه . والشحام من يبيع الشحم وهو أبو سلمة عثمان الشحام ، والرقام من يرقم الثياب أو يميز الأشياء بأرقام وهو أبو الوليد عياش بن الوليد الرقام . أما أبو ثور فهو الإمام الحافظ الفقيه إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور صاحب الإمام الشافعي أحد أئمة الدين مات ببغداد سنة 240 ه . ( انظر : تاريخ بغداد ج 5 / 134 ، وحلية الأولياء ج 10 / 249 ، واللباب في تهذيب الأسماء 2 / 34 ) . ( 2 ) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب : صحابي ولد بالحبشة لما هاجر أبواه إليها ، أتى البصرة والكوفة والشام ، وكان كريما يسمى : بحر الجود ، كان أحد الأمراء في جيش على يوم صفين ، مات بالمدينة سنة 80 ه . ( الأعلام 4 / 76 ) .